أبي منصور الماتريدي
448
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يؤمنون بها ، ثم أخبرهم أن عليهم حفاظا ؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم ، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم ، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم إلى تدارك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب . ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظ ، أداه ذلك [ إلى ] « 1 » المراقبة ؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه ، فنبهنا أن علينا حفاظا ؛ ليحتشم عنهم ، ولا يأتي من الأمور ما يسوءهم ، ووصف أنهم كرام ؛ ليصحبهم صحبة الكرام ، [ ومن صحبة الكرام أن يحترمهم ] « 2 » ، ويتقي مخالفتهم ، ولا يتعاطى ما يسوءهم ، وذلك قوله : كِراماً كاتِبِينَ . وفي ذكر الكرام فائدة أخرى ، وذلك أن قوله : كِراماً كاتِبِينَ ، أي : كرام على الله تعالى ، والكريم على الله - تعالى - هو المتقي ؛ قال الله - تعالى - : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] ؛ فيكون فيه أمان لهم : أنهم لا يزيدون ، ولا ينقصون في الكتابة ، وإنما يكتبون [ على ] « 3 » قدر أعمالهم « 4 » ، كما ذكرنا من الفائدة في وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة . وقوله - عزّ وجل - : يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ فهو يحتمل وجهين : أحدهما : أنهم يعلمون ما نفعله « 5 » قبل أن نفعل « 6 » بما عرفهم الله - تعالى - فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم ، ويكون الذي يكتبون امتحانا امتحنوا به ؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال ، وإلى البعض إرسال الأمطار ، ونحو ذلك . أو يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ وقت فعلكم جهة الفعل من خير أو شر ؛ فيكون لفعل الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير ، ويكون لفعل الشر آثار بها يعرفون ذلك أيضا . ثم عذر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدين ؛ لأن المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم ، ويكتبونها عليهم ، ثم هم مع ذلك يغفلون ، ولا يصحبونهم صحبة الكرام ، ويتركون التيقظ والتبصر « 7 » ، والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير مستبعد .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : أن يحترم لهم . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : عملهم . ( 5 ) في ب : نفعل . ( 6 ) في ب : يفعل . ( 7 ) في ب : التبصير .